R3 Tool Pro

صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 34

الموضوع: سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم

  1. #11
    Hamza42 غير متواجد حالياً
    :: Super User ::

    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    الدولة
    تيبازة
    المشاركات
    2,597
    معدل تقييم المستوى
    101
    شكراً
    8,638
    تم شكره
    8,139

    افتراضي 11- قصة الرجلين العابد الدي دخل جهنم والمدنب الدي دخل الجنة برحمة الله


    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم


    قصة الرجلين العابد الدي دخل جهنم والمدنب الدي دخل الجنة برحمة الله

    بسم الله الرحمن الرحيم



    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..


    المستمعون الأكارم .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير .


    هذا هو اللقاء الحادي عشر نلتقي فيه وإياكم بالصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه ليحدثنا عن قصة غابرةٍ رواها عن سيد الأنام رسولِنا عليه الصلاة والسلام يقول فيها :« كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ فَيَقُولُ : أَقْصِرْ . فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ : أَقْصِرْ . فَقَالَ : خَلِّنِي وَرَبِّي ، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا ؟ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ ، أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ . فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا ، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، فَقَالَ لِهَذَا : الْمُجْتَهِدِ أَكُنْتَ بِي عَالِمًا ؟ أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا ؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ : اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي . وَقَالَ لِلْآخَرِ : اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ » .


    قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ .


    حديث صحيح أخرجه أحمد في مسنده وأبو دود في سننه .


    قول رسولنا صلى الله عليه وسلم :« مُتَوَاخِيَيْنِ» : أَيْ مُتَقَابِلَيْنِ فِي الْقَصْد وَالسَّعْي ، فَهَذَا كَانَ قَاصِدًا وَسَاعِيًا فِي الْخَيْر ، وَهَذَا كَانَ قَاصِدًا وَسَاعِيًا فِي الشَّرّ .


    من فوائد هذه القصة :


    أنّ الناس قسمان ، منهم من يسلك طريق عبادة الله ، ومنهم من يؤثر جانب الغفلة ، قال سبحانه :} إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا{ [الإنسان3] .


    ومما أوضحته القصة : سوءُ عاقبة الغضب .. فإن المجتهد لم يقل ما قاله إلا بالغضب ، ولذا حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم تحذيراً مؤكَّداً ، فلقد جاء إليه رجل فقال : َ أَوْصِنِي . قَالَ : «لَا تَغْضَبْ» . فَرَدَّدَ مِرَارًا ، قَالَ :«لَا تَغْضَبْ» ، لم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوله : لا تغضب . ولم يغضب النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه ، إلا إذا انتهكت حرمات لله غضب لله ، وكان من دعائه :« اللهم إني أسألك كَلِمَة الحقِّ في الغضب والرِّضا» . قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم معلقاً على هذه الدعوة :" وهذا عزيز جداً ، وهو أنَّ الإنسان لا يقول سوى الحقِّ سواءٌ غَضِبَ أو رضي ، فإنَّ أكثرَ الناس إذا غَضِبَ لا يَتوقَّفُ فيما يقول ". وهذه القصة مما تؤكد قوله ولذا جاء بها بعد كلامه هذا .


    وتشبه هذه القصة ما حدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح الإمام مسلم :« أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ . وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» .


    وفي القصة أنّ الله غفر للمقصر بدون توبة ، قال الإمام النووي رحمه الله :" وَفِيهِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ أَهْل السُّنَّة فِي غُفْرَان الذُّنُوب بِلَا تَوْبَة إِذَا شَاءَ اللَّه غُفْرَانهَا ". فعقيدتنا : أنّ كل ذنب سوى الشرك فهو تحت المشيئة ، إن شاء الله عفا عنه ، وإن شاء أخذ به ، أما الشرك فقد سبقت فيه كلمة الله :} إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء{ .


    ولو نظرنا إلى القصة بعين التأمل لوجدنا أنّ كثرة العبادة تورث تعظيم الله ، كما سبقت الإشارة إليه في قصة من قتل مائة نفس .


    ولعلّ كلام المقصر للعابد : خَلِّنِي وَرَبِّي ، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا . يدل على أنّ الإنكار كان بنوع من الشدة ، ومما يقوي هذا الاحتمال حدتُه التي فاحت رائحتها لما قال : وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ .


    ومما لا ريب فيه أنّ مما يمنع من هذا التألي على الله أن يمتلأ القلب حال إنكار المنكر بالشفقة على المذنبين ، وأن ينظر المرء إليهم بعين الرحمة كما هو حال سيد المرسلين ، فلقد قال له رب العالمين : }لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ{ [الشعراء: 3] ، وتكرر هذا المعنى في القرآن في مواضع: قال تعالى : }وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ{ [الحجر: 88] وفي الكهف: }فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ أَسَفاً{ [الكهف: 6]. وفي فاطر: }فَلاتَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ{ [فاطر: 8]. وفي النحل: }إن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلّ{ [النحل: 37]. إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على الأمة ، ومحبته لإسلامهم ، وشدة حرصه على هدايتهم .


    فمتى ما امتلأ قلب المنكِر بذلك كان مانعاً من التلفظ بهذه العبارات التي تُسخِطُ الله تعالى .


    إنّ القصة كما دلت على سعة رحمة الله وعظيم مغفرته دلت على أنّه قد يأخذ بالذنب ولو لم يكن شركاً ، فلقد غفر للمقصر ، وعاقب المجتهد بكلمة دون الشرك به ، ولذا نعت سبحانه نفسه بقوله :} نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ{ .. ألا .. فلا ينبغي لأحد أن يتكل على رحمة الله ويدعَ العمل ، سدِّد ، وقارب ، واستقم ، ثم أحسن الظن بربك ، فإن المؤمن قد جمع خوفاً وإحساناً ، والمنافق قد جمع أمناً وإساءةً .


    إنّ هذه القصة لتحذرنا من أن نقحم أنفسنا بين الله وعباده ، وأن ننصبها حكماً على عباد الله ، فالله هو الذي يحكم بين عباده ، وهذا من رحمته بنا ، فلو وكل الله أمرنا إلى غيره لهو الهلاك بعينه .


    إنّ من أجل الدروس في هذه القصة أنْ يحذرَ الإنسان من لسانه ، قال أبو هريرة رضي الله عنه : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ .


    وقد كثرت النصوص التي تأمر بحفظ هذه الجارحة ..


    قال تعالى :} مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتيدٌ {[ ق : 18 ] .


    وفي الحديث المتفق على صحته يقول نبينا صلى الله عليه وسلم :« مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ » . وقال :«منْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» ، وقال لمعاذ :«كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» . وأمسك بلسان نفسه ، فقال معاذ : يَا رسولَ الله وإنَّا لَمُؤاخَذُونَ بما نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فقالَ : «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ – وهي كلمة كانت العرب تقولها ولا تريد معناها- !قال :«وَهَلْ يَكُبُّ الناسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» [رواه الترمذي] .


    وفي البخاري قال صلى الله عليه وسلم:«إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله تَعَالَى مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجاتٍ ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلَمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ تَعَالَى لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا في جَهَنَّمَ » . وعن أَبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : « إِذَا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ ، فَإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّهَا تَكْفُرُ اللِّسانَ ، تَقُولُ : اتَّقِ اللهَ فِينَا ، فَإنَّما نَحنُ بِكَ ؛ فَإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا ، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا )) [رواه الترمذي]. تكفر اللسان : أيْ تَذِلُّ وَتَخْضَعُ لَهُ.


    قال النووي رحمه الله في رياض الصالحين :" اعْلَمْ أنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ جَميعِ الكَلامِ إِلاَّ كَلاَماً ظَهَرَتْ فِيهِ المَصْلَحَةُ ، ومَتَى اسْتَوَى الكَلاَمُ وَتَرْكُهُ فِي المَصْلَحَةِ ، فالسُّنَّةُ الإمْسَاكُ عَنْهُ ، لأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ الكَلاَمُ المُبَاحُ إِلَى حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في العَادَةِ ، والسَّلاَمَةُ لا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ".


    وفي القصة أنّ الأعمال بالخواتيم ، وفيها معنى ما قاله سيد النبيين صلى الله عليه وسلم :« إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» .


    اللهم أحسن خاتمة أمرنا ، وأجرنا من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة .

    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم


  2. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ Hamza42 على المشاركة المفيدة:


  3. #12
    Hamza42 غير متواجد حالياً
    :: Super User ::

    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    الدولة
    تيبازة
    المشاركات
    2,597
    معدل تقييم المستوى
    101
    شكراً
    8,638
    تم شكره
    8,139

    افتراضي قصة الاسراء والمعراج


    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم


    قصة الاسراء والمعراج



    بسم الله الرحمن الرحيم



    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..


    المستمعون الأكارم .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعدَ الله أوقاتكم بكل خير .


    هذا هو اللقاء الثاني عشر ، وقصة اليوم هي قصة الإسراء والمعراج ، ولكني سأقف مع عبرها دون سرد أحداثها ، لأن وقتَ هذا البرنامج لا يفي لسرد وقائعها ، وهي معلومة لدى الجميع .


    هذه الآية التي أيّد الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم اشتملت على دروس عديدة .. منها :


    أولاً :كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ، والحكمة في ذلك والعلم عند الله أنّ الأنبياء السابقين كان بيت المقدس مهاجرهم ، فأسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ليُجمع له بين أشتاتا الفضائل .


    ثانياً : كان الذهاب بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ليلاً لأنه زمن يأنس فيه المسلم بالله منقطعاً عن الدنيا وشواغلها.


    ثالثاً : اختلف العلماء في تأريخ الإسراء والمعراج اختلافاً عظيماً ، فذكر السيوطي –رحمه الله- في مصنفه الآية الكبرى في شرح قصة الإسرا لذلك خمسة عشر قولاً .


    وهذه فائدة تتفرع عنها الفائدة التالية ، وهي الرابعة :


    أنه لا يُشرع للإنسان أن يخصَّ ليلة المعراج بقيام من بين الليالي ، ولا نهارها بصيام من بين الأيام ؛ إذ لو كان ذلك من الشرع في شيء لما اختُلف في تحديدها هذا الاختلاف ، إذ كيف تُشرع عبادة في ليلة لا نصَّ في تحديدها ألبتة ، وإنما هي أقوال دون إثباتها خرط القتاد !! قال ابن رجب الحنبلي :" و أما الإسراء فقيل : كان في رجب ، و ضعفه غير واحد".


    ويجب علينا أيها الأحبة في الله أن نُفرِّق بين فعل العبادة ، وبين تخصيصها بزمان أو مكان ، فالذي اعتاد أن يصوم صوماً لو وافق صومه ليلة المعراج –لو فرضنا أنَّ تأريخها معلوم- فله أن يصومها ، لا لكونها ليلة المعراج ، وإنما لكون صومه وافق ذلك . وهكذا قل في شأن القيام . أما أن يخص الإنسان ليلةً أو يوماً بقيام أو صيام لم يدل الشرع على تخصيصها فهذا مما لا يُشرع . ومن الأدلة على التفريق بين فعل العبادة وبين تخصيصها بزمانٍ أو مكان قول النبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم( لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي ، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ )). فالنبي صلى الله عليه وسلم لا ينهى عن عبادة الصيام والقيام ، وإنما ينهى عن تخصيص العبادة بيوم لم يشهد له الشرع باعتبار ، ونحن لا ننهى عن الصيام والقيام، وإنما ننهى عن تخصيص ليلة السابع والعشرين من شهر رجب بذلك .


    خامساً : أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنّ الإسراء به كان بالبراق ، وهو دون الحمار ، يضع حافره عند منتهى طرفه ، وأخبر في صحيح مسلم بأن قريشاً كذبته ، وهذان أمران دالان على أنّ الإسراء والمعراج كان بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بروحه فقط ، وإلا لما احتاج غلى ركوب البراق ، ولا تنكر عقول المشركين أن الروح تجوب الآفاق في ساعة من زمان .


    سادساً :أن أفضلَ الأنبياء نبيُّنا صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه تقدم عليهم وصلَّى بهم ، وبلغ في المعراج مبلغاً لم يبلغه أحد منهم. وهذا مما لا ينازع فيه أحد .


    سابعاً : بعض الناس –هداهم الله- يحتفلون بليلة الإسراء والمعراج ، وقد اصطلحوا على أنَّها ليلة السابع والعشرين من رجب ! وفي تقديري أنه لو كان لابد من إبداء المشاعر لكان إبداء مشاعر الحزن أولى من إظهار الابتهاج والفرح ؛ ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أُسري به إلى بيت المقدس .. فأين بيت المقدس الآن ؟؟ ثم إنَّا نستسمح المحتفلين أن نسألَ سؤالاً : هل احتفل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بهذا الليلة ؟؟ فإن قالوا : نعم . قلنا : } هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{ . وإن قالوا : لا . قلنا : ((أحسن الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم » . فليسعْنا ما وسِع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابَه .


    ثامناً : لقي النبي صلى الله عليه وسلم في السماء الأولى : آدم ، وفي الثانية : عيسى ويحيى ، وفي الثالثة : يوسف ، وفي الرابعة: إدريس ، وفي الخامسة : هارون ، وفي السادسة : موسى ، وفي السابعة : إبراهيم –عليهم صلوات الله وتسليماته- كما صحّ عنه صلى الله عليه وسلم عندما حدث أصحابه بتفاصيل هذه القصة .


    والحكمة في اختيار هؤلاء الأنبياء –والله أعلم- أنه بمقابلة آدم –عليه السلام- يتذكر أنه أُخرج من موطنه وعاد إليه ، فيتسلى بذلك إذا أخرجه قومه من موطنه . وأما عيسى ويحيى –عليهما السلام- فلما لاقاهما من شدة عداوة اليهود ، وهذا أمر سيلقاه النبي صلى الله عليه وسلم في مدينته . وأما يوسف فلما أصابه من ظلم إخوته له ، فصبر عليهم ، وقد طَرد أهلُ مكة النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله. وأما إدريس فلرفعة مكانه التي تشحذ الهمة لنيل أعلى الدرجات عند رب السماوات . وأما هارون فلأن قومه عادوه ثم عادوا لمحبته . وأما موسى فلشدة ما أُوذي به من قومه ، حتى إن نبينا صلى الله عليه وسلم قال في ذلك (يَرْحَمُ اللَّهُ أَخِي مُوسَى ؛ قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ)) . وفي ملاقاة إبراهيم –عليه السلام- في آخر السماوات مسنداً ظهره للبيت المعمور إشعار بأنه صلى الله عليه وسلم سيختم عمره الشريف بحج البيت العتيق .


    تاسعاً : وفي قصة المعراج أنَّ جبريل كان يستفتح أبواب السماء ، فيقال له : "من"؟ فيقول :"جبريل". ففيه دليل على أنَّ المستأذن إذا قيل له : من ؟ سمَّى نفسه بما يُعرفُ به ، ولا يقول : أنا . لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي فدققت الباب ، فقال (من ذا)) ؟ فقلت : أنا . فقال (أنا أنا))!! كأنه كرهها .


    تاسعاً : حديث المعراج دليل من مئات الأدلة التي تدل على علو الله تعالى على جميع مخلوقاته ؛ فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم حجابه بعد السماء السابعة .


    عاشراً : وجد النبي صلى الله عليه وسلم أبواب السماء مغلقة وكانت تُفتح لهما ، وفي هذا من الإكرام له ما لا يخفى ؛ "لأنه لو رآها مفتحة لظنَّ أنَّها كذلك " .


    حادي عشر : تعلمنا منها سوء عاقبة الغيبة ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ ، فَقُلْتُ : مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ )).


    ثاني عشر : الحادثة بجملتها فيها تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بعدما امتلأت جوانب حياته بسحائب الكآبة والأحزان ، فكانت هذه الحادثة التي اضمحلت أمامها تلال الغموم الناتجة من ازدراء قومه له وتكذيبهم به . إنَّ المرء إذا أراد أن يُقنع الناس بمبدأ معينٍ وتصدى أهله وعشيرته لتكذيبه والنيل منه بسبب ذلك واجه من الأحزان قدراً لا يحيط به إلا الله تعالى ؛ لأن باقي الناس ممن ليسوا بأهله أولى بتكذيبه واستهجان طرحه ..


    وظلمُ ذوي القربى أشد مضاضةً على المرء من وقع الحسام المهنَّد


    ومن هذا يُستفاد : أن مع العسر يسراً ، وأن من الضيق فرجاً ، وبالشدة رخاءً.


    ومن دروسها عظيم مكانة الصلاة فإن الله فرضها بلا واسطة ، وبركة النصيحة ، فبنصيحة موسى خففها الله غلى خمسين صلاة .


    وختام هذه الوقفات : أنَّ الله تعالى كلَّم نبينا صلى الله عليه وسلم كما كلَّم موسى عليه السلام ، والذي يقف على الخصائص المحمدية –على صاحبها أزكى صلاة وأتم سلام- يعلم أنه ما من نبي أيده الله بآية إلا وأيد نبينا صلى الله عليه وسلم بمثلها أو أفضل منها. لقد ايد الله سليمان عليه السلام بما قال حكاية عنه :} علمنا منطق الطير{ ، ولقد علم تكلم بعير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه قلة العلف وكثرة العمل . وزادج على سليمان عليه السلام أن الله أنطق الجماد له ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :« إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ»، وحنّ الجذع إليه ولم يسكن إلا بعدما التزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم .



    فاعرفوا قدر نبيكم ، وسلوا الله الاجتماع به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .

    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم

  4. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ Hamza42 على المشاركة المفيدة:


  5. #13
    Hamza42 غير متواجد حالياً
    :: Super User ::

    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    الدولة
    تيبازة
    المشاركات
    2,597
    معدل تقييم المستوى
    101
    شكراً
    8,638
    تم شكره
    8,139

    افتراضي 13- قصة نبوية جليلة القدر تتحدث عن الشهداء

    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم


    قصة نبوية جليلة القدر تتحدث عن الشهداء



    بسم الله الرحمن الرحيم






    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..


    المستمعون الأكارم .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعدَ الله أوقاتكم بكل خير .


    هذا هو اللقاء الثالث عشر ، والموعد اليوم مع قصة نبوية جليلة القدر . قال جابر بنُ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما : " لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِي ](يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا))؟ قُلْتُ :يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا. قَالَ (أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ))؟ قَالَ :قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.قَالَ (مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا فَقَالَ : يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ. قَالَ : يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً . قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ . قال : يا رب فأبلغ من ورائي . فنزلت هَذِهِ الْآيَةُ :} وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا الْآيَةَ{ .


    أخرجها الترمذي وابن ماجة .


    عجيب أمرك أيها الإنسان ..


    قد يوصلك إيمانك بالله إلى أن ترقى أعلى الدرجات ويُراق دمك في سبيل الله من أجل دينك وعقيدتك ودعوة الناس إلى الله .


    إننا نريد اليوم أن نلج روضات الشهداء، وأن نستأنس بالحديث عنهم ، ونتشرف بكلامنا عن مآثرهم التي جاء بها كتاب ربنا ونطقت بها سنة نبينا صلى الله عليه وسلم . ولكن قبل ذلك، لماذا سُمي الشهيد شهيداً ؟


    يقول الإمام النووي رحمه الله :" وأما سبب تسميته شهيداً فقال النضر بن شميل : لأنه حي؛ فإن أرواحهم شهدت وحضرت دار الإسلام وأرواح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة. وقال ابن الأنباري : إن الله تعالى وملائكته عليهم الصلاة والسلام يشهدون له بالجنة. وقيل : لأنه شهد عند خروج روحه ما أعده الله تعالى له من الثواب والكرامة .وفي المسألة أقول أخرى .


    الشهداء أحياء في قبورهم ، أحياء لا يموتون ، قال تعالى : }وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ{ . وقال :} وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ{.


    وهي اصطفاء من الله ، كرامة لا يمكن أن يحظى بها كل أحد ، هيأ الله أصحابها لها ، وأورثهم الجنة بها :} وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء{ .


    ولما أراد الله أن يشحذ همم العباد لطاعته وطاعة نبيه ذكرهم بأن عاقبة ذلك أن يكونوا مع الشهداء ، فقال : }وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا{.


    يكفي أن نعلم أنّ كل ميت يعلم أنَّ مآله إلى الجنة لا يمكن - إذا خيِّر بين البقاء في قبره والرجوع إلى أهله - أن يختار الرجوع إلى الدنيا؛ لما أعده الله له من واسع فضله وعظيم نعمته .. إلا الشهيد ، إنه يتمنى أن يرجع لترتوي الأرض بدمائه مرة بعد مرة ، إنه يتمنى أن تُمزق أحشاؤه في سبيل دينه فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ (مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّا الشَّهِيدَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى)) [أخرجه البخاري ومسلم] .


    إنّ الشهادة رتبة تمناها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :« وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَدِدْتُ أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ» ولا يخفى عليكم أيها المستمعون أنّ من علمائنا من جنح إلى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم مات شهيداً من اثر سمِّ يهود ؛ ومرتبة الأنبياء أكمل بلا ريب ، ولكن أُريد أن يُجمع له بين أشتات الفضائل .


    ولقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بما للشهيد من فضل وكرامة عند ربه فقال –والحديث في المسند- :« لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ» .


    وسأل سائل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم : ِ مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهِيدَ ؟ قَالَ(كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً)) . كفى بصوت الطلقات والدبابات على رأسه فتنة، كفى بصوت الراجمات والصواريخ وقذائف الهاوند والآر بي جي فتنةً، كفى بالكيماويات السامة فتنةً .


    إنَّ من أفضل المناقبِ التي ينالها الشهداء ما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ الْقَتْلِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ الْقَرْصَةِ)) . وأيم الله لو قُتل تحت حديد الدبابات فلن يجد من مسِّ القتل إلا ما ذُكر لنا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم } وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى{.


    لقد آتت هذه النصوص النبوية أكلها في شحذ همم أصحابه للسعي في نيل الشهادة ، واستمع أيها المستمع الكريم لها بقلبك وفؤادك ..


    في غزوة بدرٍ قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه (قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ)) . فقال عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ !!؟ قَالَ (نَعَمْ)). قَالَ : بَخٍ بَخٍ .فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ))؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا . قَالَ (فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا)). فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ ، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ.


    فمن هو الشهيد ؟


    لا يظننَّ ظان أن الشهيد هو من قُتل في ساحات الوغى فحسب، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم(مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ))؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ . قَالَ (إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ)). قَالُوا : فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ (مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ)) وزاد في رواية ((وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ)). ومن الشهداء الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم : صاحب السل، ومن مات بذات الجنب، والحريق، وصاحب الهدم، والمرأة تموت جمعاء،ابنها في بطنها، والنُّفساء، ومن قتل دون ماله أو دينه أو عرضه أو دمه.


    الإخوة الأكارم :


    أبشروا .. وأملوا .. واطمعوا في فضل ربكم .. فلقد ثبن في الحديث الصحيح قول نبينا صلى الله عليه وسلم :«مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» . } وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ{ .


    وفي القصة من الفوائد :


    أن تعزية المصابين من هدي سيد المرسلين عليه الصلاة والتسليم . فلقد رأى جابراً منكسراً فعزاه ، والتعزية : الحمل على الصبر بوعد الأجر مع الدعاء للميت ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :« من عزى أخاه المؤمن في مصيبة كساه الله حلة خضراء يحبر بها» . قيل : ما يحبر بها ؟ قال : «يغبط بها» .


    وفيها أنّ الحزن على الميت لا ينافي الصبر ، فلقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم وقام بقلبه ، وإنما يعذب الله باللسان كما أخبر سيد الأنام.


    منها : أنّ الله لم يكلم أحداً بغير حجاب إلا عبد الله بن حرام بعدما قتل في سبيل الله .



    ومنها أنّ من مات فلا يمكن أن يرجع للدنيا ، لقول الله تعالى :« إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ» ، فمن الخطأ أن نعتقد أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يحضر في اليوم الذي يوافق مولده ويحتفل مع الناس .

    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم

  6. 3 أعضاء قالوا شكراً لـ Hamza42 على المشاركة المفيدة:


  7. #14
    Hamza42 غير متواجد حالياً
    :: Super User ::

    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    الدولة
    تيبازة
    المشاركات
    2,597
    معدل تقييم المستوى
    101
    شكراً
    8,638
    تم شكره
    8,139

    افتراضي 14- قصة تضمنتها رؤيا نبوية كريمة عن عداب البرزخ


    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم


    قصة تضمنتها رؤيا نبوية كريمة عن عداب البرزخ




    بسم الله الرحمن الرحيم




    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..


    المستمعون الأكارم .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعدَ الله أوقاتكم بكل خير .


    هذا هو اللقاء الرابع عشر ، ونقف فيه مع أحداث قصة تضمنتها رؤية نبوية كريمة ، ففي مستدرك الحاكم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بِضَبْعَيْ، فأتيا بي جبلاً وعراً فقالا لي : اصعد . فقلت : « إني لا أطيقه » ، فقالا : إنا سنسهله لك . فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة فقلت : « ما هذه الأصوات » ؟ قالوا : هذا عُوَاء أهل النار . ثم انطلق بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم ، مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دماً ، قال : قلت : « من هؤلاء ؟ » قال : هؤلاء الذين يفطرون قبل تَحِلَّةِ صومهم .


    عُواء: صُراخ وصياح .


    سواء الجبل : وسط الجبل . قال تعالى :} فاطلع فرآه في سواء الجحيم{ : أي في وسطها .


    الشَّدْق : جانب الفم مما تحت الخد .


    فبل تحلة صومهم : قبل أن يحل الفطر لهم بغروب الشمس .


    ثلاث قضايا رئيسة سيكون الحديث عنها من خلال هذه القصة التي رواها رسول الله صلى الله عليه وسلم .


    القضية الأولى : الفطر في رمضان عمداً بدون عذر .. اشتملت القصة على بيان نوع من أنواع المفطرين في رمضان ؟ فما هي أنواعهم؟


    اعلم أخي المستمع الكريم أنّ المفطرينَ في رمضان منقسمون إلى أقسام ..


    الأول : من يفطر وعليه القضاء .


    وهو المريض مرضاً يُرجى برؤه ، والمسافر ، والحائض .


    الثاني : من يفطر وعليه القضاء والكفارة .


    وهو من جامع أهله في نهار رمضان .


    الثالث : من يفطر وعليه الفدية . والمراد بها إطعام مسكينٍ عن كل يوم أفطره .


    وهم : الشيخ الكبير والمرأة المسنة اللذان لا يقوَيَان على الصيام ، والمريض مرضاً لا يُرجى برؤه – كما يقول الفقهاء- ، والحامل والمرضع ، وكثيرون يقولون بغير ذلك ، ولكن هذا هو القول الراجح إن شاء الله ، وهو مذهب ابن عباس وابن عمر ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم . فقد خرج الدارقطني عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم أنهما قالا:" الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي" وصححه في الإرواء . وفي قوله تعالى :} وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين{ قال ابن عباس :" بقي حكمها للشيخ الكبير ، والعجوز الكبيرة ، إذا كانا لا يطيقان الصوم . والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكيناً " أرجه الدارقطي وأبو داود . وهذا مما لا يقال عن رأي واجتهاد فله حكم الرفع كما قرره غير واحد من أهل العلم .


    الرابع : من أفطر وعليه التوبة لأن ذنبه أعظم من الكفارة . وهو من أفطر بدون عذر ، هذا –كما قال العلماء – صومه للقضاء وإن دهراً لا يفي لتكفير خطيئته ، بل عليه أن يتوب . بمعنى أنّ ذنبه أعظم من الذنوب التي تكفرها الكفارات .


    قال الهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر :" الْكَبِيرَةُ الْأَرْبَعُونَ وَالْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ تَرْكُ صَوْمِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ ، وَالْإِفْطَارُ فِيهِ بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ مِنْ نَحْوِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ".


    وفي البخاري معلقاً بغير جزم الحديث :« مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صَوْمُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ» .


    وقال الذهبي في الكبائر :" الكبيرة السادسة : إفطار يوم من رمضان بلا عذر".


    ومن ترك صوم رمضان فإنه يُشك في إسلامه .


    القضية الثانية :


    اشتمل الحديث على إثبات عذاب البرزخ ، فهؤلاء الذين رآهم النبي صلى الله عليه وسلم وقع العذاب عليهم في برزخهم كما لا يخفى . وعذاب البرزخ – وأقول البرزخ لأنه أشمل من كلمة القبر ، قال الإمام ابن القيم رحمه الله :" ومما ينبغي أن يُعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزح، فكل من مات وهو مستحقٌ للعذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، فلو أكلته السباع، أو أُحْرق حتى صار رماداً ونسف في الهواء، أو صُلب، أو غرق في البحر، وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى القبور" [الروح ص ثمان وخمسين] .


    كمن حرق أو أكلته السباع – وعذاب البرزخ ثبت بأدلة لا يمكن حصرها بسهولة بالقرآن والسنة النبوية .


    من أدلة القرآن قوله تعالى عن قوم نوح عليه السلام :} مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً{ ، ولا خلاف بين أهل اللغة في أنّ الفاء العاطفة تدل على الترتيب والتعقيب . أي : بدون مهلة ، بخلاف العطف بثم . قال ابن هشام في قطر الندى وبل الصدى :" وَ (الْفَاءِ) لِلتَرْتِيبِ والتَّعْقِيبِ ".


    وهنا نجد أن ربنا قال :} أغرقوا فأدخلوا{ أي في برزخهم بعد موتهم .


    أما السنة فيكفي حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ (إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ)) . ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟ قَالَ : ((لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا)) [أخرجه البخاري ومسلم].



    وفيه رد قوي على من أنكر أن الجسد يُعذب في القبر ، هذا قول من لا خلاق له من فهم ، وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجلين : إنهما ليعذبان ، وفي القبر جسداهما .


    وينبغي أيها الإخوة أن نفرق بين مسألتين .. بين عذاب القبر ، وبين فتنة القبر . الفتنة : سؤال الملكين الميت عن ربه ودينه ونبيه . أما العذاب فهو ما يقع على من لم يجتز هذا الاختبار .


    وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ فَقَالَتَا لِي : إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ. فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَجُوزَيْنِ وَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ (صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ كُلُّهَا)). فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ [البخاري ومسلم].



    وعند مسلم قال زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رضي الله عنه : بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ، فَكَادَتْ تُلْقِيهِ ، وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ، فَقَالَ (مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ))؟ فَقَالَ رَجُلٌ : أَنَا . قَالَ (فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ))؟قَالَ : مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ . فَقَالَ (إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ)) . وفيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ بالله من عذاب القبر بعد التشهد فقال ( إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ)) .



    القضية الثالثة : رؤيا الأنبياء . ولا شك أنها حق ، ولذا لما رأى إبراهيم في المنام أنه يذبح ابنه شرع في تنفيذ ذلك ، قل ابن حجر رحمه الله في الفتح :" الرُّؤْيَا لَوْ لَمْ تَكُنْ وَحْيًا لَمَا جَازَ لِإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام الْإِقْدَام عَلَى ذَبْح وَلَده".


    وثبت من حديث عائشة أنها قالت :" كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم" [صحيح مسلم] .


    وقال ابن عباس رضي الله عنهما :" رؤيا الأنبياء وحي" [أخرجه الحاكم في المستدرك وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي] .


    أما رؤيا غيرهم فلا يثبت بها شرع ، فليس لأحد أن يأتيَ إلينا بتشريع ثم يقولَ : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وقال لي : افعل كذا مما لم يكن شرعه من ذي قبل .


    رأى حمزة الزيات النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فعرض عليه ما سمعه من أبان، فما عرف منه إلا شيئاً يسيراً ، قال النووي :" قال القاضي عياض:" هذا ومثله استئناس واستظهار على ما تقرر من ضعف أبان، لا أنه يقطع بأمر المنام، ولا أنه تبطل بسببه سنة ثبتت ، ولا تثبت به سنة لم تثبت، وهذا بإجماع العلماء" [شرح مسلم مج الأول صفحة خمس عشرة ومائة ] .

    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم


  8. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ Hamza42 على المشاركة المفيدة:


  9. #15
    Hamza42 غير متواجد حالياً
    :: Super User ::

    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    الدولة
    تيبازة
    المشاركات
    2,597
    معدل تقييم المستوى
    101
    شكراً
    8,638
    تم شكره
    8,139

    افتراضي 16- قصة منامية عن العداب الرجل يكذب الكِذْبَة تبلغ الآفاق وصاحب القرآن يرفضه و ....


    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم


    قصة منامية عن العداب الرجل يكذب الكِذْبَة تبلغ الآفاق وصاحب القرآن يرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة



    بسم الله الرحمن الرحيم



    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..


    المستمعون الأكارم .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


    هذا هو اللقاء الخامس عشر ، نلتقي اليوم مع قصة منامية ثبتت في صحيح الإمام البخاري ، رواها سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ قَالَ : كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلَّى صَلاَةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ : « مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا » ؟ قَالَ فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا ، فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَسَأَلَنَا يَوْمًا ، فَقَالَ : « هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا » ؟ قُلْنَا لاَ . قَالَ « لَكِنِّى رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِى فَأَخَذَا بِيَدِى ، فَأَخْرَجَانِى إِلَى الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ يُدْخِلُ ذَلِكَ الْكَلُّوبَ فِى شِدْقِهِ ، حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا ، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ . قُلْتُ :«مَا هَذَا» ؟ قَالاَ : انْطَلِقْ ، فَانْطَلَقْنَا .


    حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِصَخْرَةٍ ، فَيَشْدَخُ بِهِا رَأْسَهُ ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ ، فَلاَ يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ ، وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ . قُلْتُ :«مَنْ هَذَا» ؟ قَالاَ : انْطَلِقْ ..


    فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ ، أَعْلاَهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ ، يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا ، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا ، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا ، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ . فَقُلْتُ:« مَنْ هَذَا» ؟ قَالاَ :انْطَلِقْ .


    فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِى فِى النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِى فِيهِ ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِى فِيهِ بِحَجَرٍ ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ . فَقُلْتُ مَا هَذَا قَالاَ انْطَلِقْ .


    فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ ، وَفِى أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ ، وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا ، فَصَعِدَا بِى فِى الشَّجَرَةِ ، وَأَدْخَلاَنِى دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا ، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ ، وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ ، ثُمَّ أَخْرَجَانِى مِنْهَا فَصَعِدَا بِى الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلاَنِى دَارًا هِىَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ ، فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ . قُلْتُ :«طَوَّفْتُمَانِى اللَّيْلَةَ ، فَأَخْبِرَانِى عَمَّا رَأَيْتُ» . قَالاَ: نَعَمْ ، أَمَّا الَّذِى رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالْكِذْبَةِ ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .


    وَالَّذِى رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَالَّذِى رَأَيْتَهُ فِى الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ . وَالَّذِى رَأَيْتَهُ فِى النَّهَرِ آكِلُو الرِّبَا . وَالشَّيْخُ فِى أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلاَدُ النَّاسِ ، وَالَّذِى يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ . وَالدَّارُ الأُولَى الَّتِى دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ ، وَأَنَا جِبْرِيلُ ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ ، فَرَفَعْتُ رَأْسِى فَإِذَا فَوْقِى مِثْلُ السَّحَابِ . قَالاَ ذَاكَ مَنْزِلُكَ . قُلْتُ دَعَانِى أَدْخُلْ مَنْزِلِى . قَالاَ إِنَّهُ بَقِىَ لَكَ عُمْرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ » .


    هذه قصة عظيمة اشتملت على المشاهد التالية :


    المشهد الأول :


    رَجُلٌ جَالِسٌ ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ والكلوب حديدة في آخرها انحناء كتلك التي يعلق اللحم بها ، فيُدْخِلُ ذَلِكَ الْكَلُّوبَ فِى خده ، ويُقَطِّعُه حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا ، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ .


    وهذا المعذب هو الرجل يكذب الكِذْبَة تبلغ الآفاق . قال ابن حجر رحمه الله :" وَإِنَّمَا اِسْتَحَقَّ التَّعْذِيب لِمَا يَنْشَأ عَنْ تِلْكَ الْكِذْبَة مِنْ الْمَفَاسِد وَهُوَ فِيهَا مُخْتَار غَيْر مُكْرَه وَلَا مُلْجَأ".


    المشهد الثاني :


    رجل مضطجع عَلَى قَفَاهُ ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِصَخْرَةٍ ، فَيَشْدَخُ بِهِا رَأْسَهُ ، والشدخ كسر الشيء المجوف، فيكسر رأسه بحجر معه ، فإذا كسر الحجر رأسه ونأى عنه ذهب الآخر ليأتي بالحجر ، فإذا عاد إلى المعذب عاد رأسه سالماً ، فيفعل به ذلك إلى يوم القيامة .


    من هو المعذب هنا ؟ صاحب القرآن يرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة .. لكن أليس النوم عذرا؟ الجواب : من بذل وسعه ليستيقظ فلم ينهض فهو معذور .. وأما المتهاون الذي ينام ويعلم أنه سيستيقظ متأخراً .. وهذا دأبه فهذا هو الذي ينام عن الصلاة المكتوبة .


    المشهد الثالث :


    ينطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ ، والتنور كالهرم ، أَعْلاَهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ ، فيه نار من تحته ، وفوق النار رجال ونساء عراة ، فإذا ارتفع لهيبها صعدوا إلى المكان الضيق وضوضوا : أي صاحوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا .


    جمع الله لهم بين عقوبيتين :


    الأولى : جعل الله عقوبتهم في مكان واحدٍ فهتك سترهم ، فإنهم كانوا إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ففضحهم .


    الثانية : لما عصُوْا الله بأسفل أجسادهم جاءتهم النار من تحتهم .


    المشهد الرابع :


    انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجلان حَتَّى أتَوْا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ ، وفيه رجل يسبح فيه . فيقبل السابح إلى الواقف ، فيلقمه حجراً يعيده إلى مكانه ، فإذا جاء إليه فعل به ذلك .


    وإنما ألقم حجراً والحجر لا فائدة فيه لبدنه كما كان يزيد ماله بشيء أخبر الله أنه لا بركة فيه.


    المشهد الخامس :


    ينطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ غَنّاء كثيرةِ العشب، فيها من كل نَورِ الربيع وزهره ، وفِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ ، وفي رواية :«إلى مدينة مَبْنِيَّة بِلَبِنِ ذَهَب وَلَبِن فِضَّة» وهي الجنة التي أعدها الله لعباده المؤمنين ، فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ..


    فإن قيل : كيف نوفق بين قول الرسول صلى الله عليه وسلم فيها ما لا عين رأت وبين كونها صلى الله عليه وسلم قد رآها كما في هذا الحديث ؟


    الجواب :


    المشهد السادس :


    في تلك الروضة رأى النبي صلى الله عليه وسلم إبراهيم عليه السلام وحوله صبيان المسلمين . وهم : من مات منهم قبل أن يبلغ ، فأي عزاء للوالدين الذين فقدا ابنهما الصغير أحسن من هذا العزاء ؟ أيها الأب .. أيتها الأم .. يا من تقرح كبده بفقد ولده اعلموا : أنّ رحمة الله خير له منكما ، وثواب الله خير لكما منه .


    المشهد السابع:


    يرى داراً أفضل من تلك الدار ، وهي دار الشهداء ، وداراً أفضل من الدراين وهي بيت النبي صلى الله عليه وسلم . ويرى صلى الله عليه وسلم خازن النار ، وقد نعته بكونه (كريه الرؤية) ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَة فِي عَذَاب أَهْلِ النَّارِ .


    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم


  10. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ Hamza42 على المشاركة المفيدة:


  11. #16
    Hamza42 غير متواجد حالياً
    :: Super User ::

    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    الدولة
    تيبازة
    المشاركات
    2,597
    معدل تقييم المستوى
    101
    شكراً
    8,638
    تم شكره
    8,139

    افتراضي 16- قصة ستحدث في المستقبل ان في جريمة القتل من إثم كبير ووزر عظيم ، ومن قتل نفساً...

    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم

    قصة ستحدث في المستقبل ان في جريمة القتل من إثم كبير ووزر عظيم ، ومن قتل نفساً بغير حق فقد سَاء لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا





    بسم الله الرحمن الرحيم (16)


    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..


    المستمعون الأكارم .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


    في اللقاء السادس عشر نقف مع أحداث قصة ستحدث في المستقبل ، حدث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورواها عنه ابنُ عباس رضي الله عنهما ، وأخرجها الترمذي في جامعه ، والنسائي وابن ماجة في السنن ، والطبراني في معجمه الكبير ، قال صلى الله عليه وسلم :« يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِالْقَاتِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، نَاصِيَتُهُ وَرَأْسُهُ بِيَدِهِ ، وَأَوْدَاجُهُ تَشْخَبُ دَمًا ، يَقُولُ : يَا رَبِّ ، هَذَا قَتَلَنِي ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْقَاتِلِ: تَعِسْتَ، وُيَذْهَبُ بِهِ إِلَى النَّارِ » .


    تشخب : بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِفَتْحِهَا ، أَيْ تَسِيلُ .


    والْأَوْدَاجُ : مَا أَحَاطَ بِالْعُنُقِ مِنْ الْعُرُوقِ .


    نستفيد من القصة ما في جريمة القتل من إثم كبير ووزر عظيم ، ومن قتل نفساً بغير حق فقد سَاء لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا.. واعلم أيها المستمع الكريم أنّ أول جريمة قتل في تاريخ البشرية ما حكاه الله تعالى بقوله :} وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ{ [المائدة: 27-30]. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ» [البخاري ومسلم] .


    والنصوص في تحريم هذه الكبيرة كثيرة جداً .. وهذا سرد لبعضها ..


    قال تعالى : } وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ{ [الأنعام:151] . وقال : } وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا{ [الإسراء :33] .


    قال أبو بَكْرَةَ رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أَيُّ يَوْمٍ هَذَا»؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ . قَالَ :«أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ»؟ قُلْنَا : بَلَى . قَالَ :«فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا»؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ . فَقَالَ :«أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ »؟قُلْنَا : بَلَى . قَالَ :«فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ ، وَأَمْوَالَكُمْ ، وَأَعْرَاضَكُمْ ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا » [البخاري ومسلم] . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :«لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ : النَّفْسُ بِالنَّفْسِ ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي ، وَالْمَارِقُ مِنْ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ» [البخاري ومسلم] . وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول :«ما أطيبك ! وما أطيب ريحك !! ما أعظمك ! وما أعظم حرمتك !! والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك» .


    ولقد جاء الترهيب فمن هذه الجريمة في كثير من النصوص الشرعية أجتزئ منها ما يلي :


    قال ربنا تعالى :} وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا{ [النساء :93] . وقال تعالى : }وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا 68 يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا{ [الفرقان : 68-69] .


    وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :« كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلَّا مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا ، أَوْ مُؤْمِنٌ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا» [أخرجه أبو داود وابن حبان] .


    ولقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بأنّ أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء كما في الصحيحين .


    وفي صحيح البخاري يقول نبينا صلى الله عليه وسلم :«لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» قال ابن عمر : إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ .


    وقبل أن أنتقل بكم أخي الكريم ائْذَنْ لي بأن أسمعك هاتين القصتين :


    الأولى :


    خرجها الشيخان في صحيحهما ، عن أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْحُرَقَةِ –والحرقة : بَطْنٌ مِنْ جُهَيْنَة- قال : فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَكَفَّ الْأَنْصَارِيُّ ، وطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ . فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ :«يَا أُسَامَةُ ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»؟ قُلْتُ : كَانَ مُتَعَوِّذًا . قال :« كيف تصنع بلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ؟ قال : قالها مُتَعَوِّذًا مِنْ الْقَتْلِ. قال :« كيف تصنع بلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ؟ قال : يا رسول الله استغفر لي . فلم يزد على قوله : :« كيف تصنع بلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ؟ حتى قال أسامة : حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ .


    الثانية :


    أخرجها ابن ماجة ، وهي –كما روى عِمران بن الحُصَين- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ جَيْشًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ ، فَلَمَّا لَقُوهُمْ قَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا فَمَنَحُوهُمْ أَكْتَافَهُمْ ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ لُحْمَتِي –أي من قرابتي ، هكذا يقول عمران - عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِالرُّمْحِ ، فَلَمَّا غَشِيَهُ قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنِّي مُسْلِمٌ . فَطَعَنَهُ ، فَقَتَلَهُ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ ؟ قَالَ : «وَمَا الَّذِي صَنَعْتَ» ؟ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي صَنَعَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :«فَهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ بَطْنِهِ فَعَلِمْتَ مَا فِي قَلْبِهِ» . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ شَقَقْتُ بَطْنَهُ لَكُنْتُ أَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ. قَالَ :«فَلَا أَنْتَ قَبِلْتَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ ، وَلَا أَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ» ! قَالَ : فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ ، فَدَفَنَّاهُ ، فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ ، فَقَالُوا : لَعَلَّ عَدُوًّا نَبَشَهُ . فَدَفَنَّاهُ ، ثُمَّ أَمَرْنَا غِلْمَانَنَا يَحْرُسُونَهُ ، فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ ، فَقُلْنَا : لَعَلَّ الْغِلْمَانَ نَعَسُوا . قال : فَدَفَنَّاهُ ، ثُمَّ حَرَسْنَاهُ بِأَنْفُسِنَا ، فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ ، فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الشِّعَابِ . فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ e فَقَالَ :« إِنَّ الْأَرْضَ لَتَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَحَبَّ أَنْ يُرِيَكُمْ تَعْظِيمَ حُرْمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» .


    اللهم باعد بيننا وبين أعراض ودماء إخواننا المسلمين كما باعدت بين المشرق والمغرب

    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم


  12. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ Hamza42 على المشاركة المفيدة:


  13. #17
    Hamza42 غير متواجد حالياً
    :: Super User ::

    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    الدولة
    تيبازة
    المشاركات
    2,597
    معدل تقييم المستوى
    101
    شكراً
    8,638
    تم شكره
    8,139

    افتراضي 17- قصة الذين اختبرهم الله سبحانه وتعالى ثَلَاثَةً من بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ ..

    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم

    قصة الذين اختبرهم الله سبحانه وتعالى ثَلَاثَةً من بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى



    بسم الله الرحمن الرحيم





    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..


    المستمعون الأكارم .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


    هذا هو اللقاء السابع عشر .. والموعد اليوم مع قصة خرّج أحداثها الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى ، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا ، فَأَتَى الْأَبْرَصَ ، فَقَالَ : أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : لَوْنٌ حَسَنٌ ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي ( ) النَّاسُ . قَالَ : فَمَسَحَهُ ، فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ ، وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا . قَالَ : فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : الْإِبِلُ . فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ ( ) ، فَقَالَ : بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا .


    فَأَتَى الْأَقْرَعَ فَقَالَ : أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : شَعَرٌ حَسَنٌ ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ . قَالَ : فَمَسَحَهُ ، فَذَهَبَ عَنْهُ ، وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا . قَالَ : فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : الْبَقَرُ ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا فَقَالَ : بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا .


    فَأَتَى الْأَعْمَى فَقَالَ : أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ . فَمَسَحَهُ ، فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ . قَالَ : فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : الْغَنَمُ . فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا ، فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا ( ) ، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنْ الْإِبِلِ ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ الْبَقَرِ ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ الْغَنَمِ .


    ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ ، فَقَالَ : رَجُلٌ مِسْكِينٌ ، قَدْ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ ( ) فِي سَفَرِي ، فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي . فَقَالَ : الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ . فَقَالَ لَهُ : كَأَنِّي أَعْرِفُكَ ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ ، فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ ؟ فَقَالَ إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ . فَقَالَ : إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ .


    وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا ، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا . فَقَالَ : إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ .


    وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ : رَجُلٌ مِسْكِينٌ ، وَابْنُ سَبِيلٍ ، انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي ، فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي . فَقَالَ : قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي ، فَخُذْ مَا شِئْتَ ، وَدَعْ مَا شِئْتَ ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ ( ) .


    فَقَالَ : أَمْسِكْ مَالَكَ ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ» .


    ما أجملها من قصة ! وما أحسنها من موعظة !!


    وفي القصة فوائد :


    منها : أنّ الدنيا دار امتحان ، وإنما أوجدنا الله فيها ليبتلينا ، قال سبحانه : تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ .


    ومنها : أنّ الملائكة يتشكلون ، وهذا ورد كثيراً في السنة .


    ومنها : الترفق والتلطف في معاملة أهل البلاء ، فهؤلاء الثلاثة مما زاد البلاء عليهم اشمئزاز الناس . وهنا لطيفة لا يفوتني ذكرها .. لا شك أيها المستمع الكريم أنك تعلم أنّ من رأى مبتلى فالسنة أن يقول :« الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً» ، ولكن نص أهل العلم على أنه لا ينبغي أن يسمعه لئلا يجرحه .


    ومنها : أن يحرص الإنسان على أن يكون ممن تدعوا له ملائكة الرحمن ، فلقد دعا الملك لهؤلاء الثلاثة بالبركة في المال فبارك الله لهم في أموالهم .


    وممن تدعوا له الملائكة من دعا لأخي بظهر الغيب ، قال صلى الله عليه وسلم :« عند رأسه ملك موكل كلما دعا له قال : آمين ولك بمثل» .


    وتتفرع عن الفائدة السابقة الفائدة اللحقة ، وهي :


    أنّ الإنسان عليه أن يحذر من أن يدعو ملك عليه . وممن دعت عليهم الملائكة من أدرك رمضان ولم يغفر له ، دعا عليه جبريل ، وأمّن على الدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان الدعاء لحظة صعود النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر .. فهل يُرد دعاءٌ هذا شأنه ؟


    ومن الفوائد : أنّ النعم تزول بكفرانها وجحودها . وتبقى بشكرها ، قال تعالى : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ، وقال : لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ . فإن أردت بقاء ما أنعم الله به عليك فكن من القلة الشاكرة .


    ومن أهم الفوائد : أنّ الإنسان عليه أن يتأدب مع الله في العبارة ، فقد قال الملك : فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ . وكثير من الناس يأتي هنا بحرف الواو الدال على التسوية ، والتسوية لا تسوغ بين الخالق والمخلوق .. قال النبي صلى الله عليه وسلم :« لا تقولوا : ما شاء الله وشاء فلان ، ولكن قولوا : ما شاء الله ثم شاء فلان » [رواه أحمد وأبو داود].


    فلا تقل : لولا الله وفلان ، ولكن قل : لولا الله ثم فلان . لا تقل : أعوذ بلله وبك ، ولكن قل : بلله ثم بك وهكذا .


    ومن الفوائد ما جاء في كتاب القول المفيد على كتاب التوحيد :" أنّ الرسول  يقص علينا أنباء بني إسرائيل لأجل الاعتبار والاتعاظ بما جرى، وهو أحد الأدلة لمن قال : إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه،ولا شك أن هذه قاعدة صحيحة".


    ومنها عظيم قدرة الله الذي أذهب عنهم البلاء في طرفة عين .


    ومنها : جواز الدعاء المعلق ، إن كنت كاذباً فصيرك الله . وفي دعاء الاستخارة :«اللهم إن كنت تعلم أنّ هذا الأمر » .


    ومنها : ثبوت الإرث في الأمم السابقة، لقوله : (ورثته كابرا عن كابر)


    ومنها أنّ من صفات الله الرضى والسخط ونحن نثبت معناها ونفوض كيفها لأن الكيف لا يُعلم إلا بمشاهدة من أُريد تكييفه ، أو بمشاهدة مثله ، أو بخبر صادق يخبر عنه .


    قال ابن حجر :" وَفِيهِ فَضْل الصَّدَقَة وَالْحَثّ عَلَى الرِّفْق بِالضُّعَفَاءِ وَإِكْرَامهمْ وَتَبْلِيغهمْ مَآرِبهمْ ، وَفِيهِ الزَّجْر عَنْ الْبُخْل ، لِأَنَّهُ حَمَلَ صَاحِبه عَلَى الْكَذِب ، وَعَلَى جَحْد نِعْمَة اللَّه تَعَالَى .


    أكتفي بهذا القدر ، وأترككم في حفظ الله ورعايته ، وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على نبينا وسيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم



  14. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ Hamza42 على المشاركة المفيدة:


  15. #18
    Hamza42 غير متواجد حالياً
    :: Super User ::

    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    الدولة
    تيبازة
    المشاركات
    2,597
    معدل تقييم المستوى
    101
    شكراً
    8,638
    تم شكره
    8,139

    افتراضي 18- قصة جريج العابد و الطفل الدي تكلم في المهد

    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم




    قصة جريج العابد و الطفل الدي تكلم في المهد





    بسم الله الرحمن الرحيم





    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..


    المستمعون الأكارم .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير .


    القصة الثامنة يريها لنا عن نبينا أبو هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ : عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ – ثم ذكر قصة جريج هذا فقال : - وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عَابِدًا ، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً ، فَكَانَ فِيهَا ، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ : يَا جُرَيْجُ . فَقَالَ : يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي ؟ فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ ، فَانْصَرَفَتْ . فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ : يَا جُرَيْجُ . فَقَالَ : يَا رَبِّ ، أُمِّي وَصَلَاتِي ؟ فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ ، فَانْصَرَفَتْ . فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ : يَا جُرَيْجُ . فَقَالَ : أَيْ رَبِّ ، أُمِّي وَصَلَاتِي ؟ فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ ، فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ . فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ ، وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا فَقَالَتْ : إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ ؟ قَالَ " فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا ، فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا ، فَحَمَلَتْ ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ : هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ . فَأَتَوْهُ ، فَاسْتَنْزَلُوهُ ، وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ ، فَقَالَ مَا شَأْنُكُمْ ؟ قَالُوا : زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ ، فَوَلَدَتْ مِنْكَ . فَقَالَ : أَيْنَ الصَّبِيُّ ؟ فَجَاءُوا بِهِ . فَقَالَ : دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ ، فَصَلَّى ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ وَقَالَ : يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ ؟ قَالَ : فُلَانٌ الرَّاعِي . قَالَ : فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ ، وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ ، وَقَالُوا : نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ ؟ قَالَ : لَا ، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ فَفَعَلُوا.


    أخرجها البخاري في كتاب الجمعة ، باب إذا دعت الأم ولدها في الصلاة .


    ومسلم في كتاب البر والصلة ، باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها .


    ما أعظمَها من قصة .


    أول وقفة أقف معها أنّ من الفوائد التي تدفقت من جوانب هذه القصة أنّ العفة من سمات الإيمان .. كيف ذلك ؟ لأن الله قال :} إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا{ ، وقد دافع ها هنا عن أهل العفة ، فعُلم أنّ العفة من الإيمان .


    لقد دافع الله عنهم في مواطن كثيرة .. أولئك الذين آثروا رضوان الله على شهوات أنفسهم، أولئك سادات عباد الله ، إنهم ملائكة يمشون على ظهر هذه الأرض ، سمت نفوسهم ، ورسخ الإيمان في قلوبهم، فلم تحركهم هذه النزعات الشهوانية ، جعلنا الله من أولئك الأخيار الأطهار .


    من العجائب والعجائب جمَّة أن كثيراً من العفيفين اتهم في عرضه :


    اتهم جريج كما في هذه القصة ..


    اتهمت أمنا عائشة رضي الله عنها ، فقد أشاع المنافقون حديث الإفك ..


    اتهم يوسف رمته امرأة العزيز بدائها وانسلت ، قالت لبعلها :} ما جزاء من أراد بأهلك سوء{ !!


    اتهمت مريم عليها السلام .


    ولكن الله تولى الدفاع عنهم ، فدافع عن جريج العبد الصالح ..


    ومن العفيفين الذي دافع الله عنهم : أمنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ولعنته على من قلاها أو سبها .


    لما اتهم الناس عائشة وهي سيدة الطاهرين والطاهرات رضي الله عنها أنزل الله قرآناً يُتلى ؛ دفاعاً عنها ، فقال في ذلك :} الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ { .


    ولما رمت امرأة العزيز يوسف بقولها :} مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{ .. دافع الله عنه ، فأشهد كل من له تعلق بالقصة ببراءته ..


    المرأة المراودة زوج العزيز قالت:} أنا راودته عن نفسه{ ..


    زوجها الملك قال :} إنه من كيدكن { ، شهد شاهد من أهلها :} وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ{ فبان أنّ الأمر كذلك . النسوة قلن :} حاشا لله ما علمنا عليه من سوء{ . شهد بها الله وكفى بالله شهيداً :} كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ{ . بل شهد ببراءته إبليس عليه اللعنة لما قال :} قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ{ ، والله قال عن يوسف عليه السلام :} كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ{ ..


    منهم مريم عليها السلام ، رماها قومها بالفاحشة ، } قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا{ ، فأنطق الله صبيها في مهده ليدافع عنها كما أنطق الصبي في قصة جريج ، فهاتان كرامتان ، مما يدل على أنّ العفيفين من أولياء الله ، لأن الكرامة أمر خارق للعادة يجريه الله على يد أوليائه . فدافع الله عنها بقوله :} وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ{ ، وقال :} وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ{ .


    فما أعظمَ دفاعَ الله عن العفيفين .


    وكيف لا تكون العفة بهذه المكانة السامية وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :«إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْجَبُ مِنْ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ» .. فهنيئاً لهؤلاء الكرام الذين طهرت نفوسهم ..


    من مهمات الفوائد في هذه القصة فائدة أخاطب بها كل والد ووالدة : مهما أساء الابن إليكم ، لا تحاولوا أن تدعوا على أبنائكم ، لا تدعوا إلا بخير، ادعوا لهم بالصلاح والخير والتوفيق . فدعاء الأم والأب مستجاب سواء كان للولد أو عليه . فلا ينبغي في لحظة غضب وساعة انفعال سريعاً ما يزول لا ينبغي أن يُرفع منك دعاء على ولدك ، فإن الله إذا استجاب آلمتكم نفوسكم ، وأنبتكم ضمائركم ، وامتلأت بالأسى قلوبكم ، فلنتعقل أخي الأب وأختي الأم .


    من الأحكام المهمة التي اشتملت عليها هذه القصة أن الأب أو الأم إذا نادى على ابنه وكان يصلى نافلة فالواجب عليه أن يلبي نداء والديه . وفي المسألة خلاف يرجع إليه في مظانه ، وهذا هو الصحيح ، وهو وجه في المذهب الشافعي. وقول المالكية.


    وهي فائدة تجر بأختها : أنّه إذا تزاحم واجب ومستحب قدم الواجب .


    وعلى الابن أن يحذر من غضب والديه ، ففي رواية لهذه القصة :}فَغَضِبَتْ فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ لَا يَمُوتَن جُرَيْجٌ حَتَّى يَنْظُر فِي وُجُوه الْمُومِسَات» ، فغضب الله في غضب الوالدين ، ورضاؤه في رضائهما ، أما ترى أن هذا الرجل من أولياء الله ، أجرى الله على يديه هذه الكرامة، ولكن لما غضبت أمه عليه لم يمنع صلاحه من استجابة الله لدعائها . ولذا قال الإمام مسلم رحمه الله عند هذا الحديث : باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها .


    والمومسة : البغي الزانية . وجمعها مومسات ، و مَوَامِيس .


    وفي بداية هذه القصة قال النبي صلى الله عليه وسلم :« لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ» .. ولا يشكل علينا أنّ من وردت النصوص بأنهم تكلموا في المهد أكثر من ذلك ، فتكلم هذا الصبي ، وعيسى عليه السلام ، والشاهد في قصة يوسف ، وصبي أصحاب الأخدود ،.. أقول : لا إشكال بين هذا وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم :« لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ» ، فإما أن يُحْمَل هذا الحصر عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ ذَلِكَ قَبْل أَنْ يَعْلَم الزِّيَادَة عَلَى ذَلِكَ كما نقله ابن حجر عن القرطبي رحمهما الله ، أو يقال : الشاهد في قصة يوسف كان كبيراً ، وأما اثر ابن عباس الذي فيه أنه تكلم في المهد فقد حكم ابن حجر عليه بالضعف ، والله أعلم.


    من دروسها أنّ الحسد داء عضال ، إن قوم هذا الرجل لما لم يتمكنوا من أن يكونوا مثله فحسدوه ، وحاولوا الإضرار به، وقد قيل :" ودت الزانية أن لو زنى الناس جميعاً ".


    لقد أخطأت تلك البغي في تقديرها للأمور ، وحسبت أنّ النزعة الشهوانية البهيمية تسيطر على الناس كلهم كما الحال عندها ، وما علمت أنّ من عباد الله من لا تهون عليه المعصية ولو ضُرب عنقه ومزقت أوصاله .


    إنّ جريجاً هذا يذكرنا بفعل الربيع بن خثيم ، فقد حاولت بغي إغراءه في مكان لم يضمَّ غيرَهما، فلم يعبأ بها ، وقال لها في نفسها قولاً بليغاً ، فكان سبباً لتوبتها . إن من عباد الله من يرد امرأة جاءت إليه راغبةً فيه؛ لخوفه من الله ، ومنهم من يسعى بنفسه إلى مقارفة الفواحش ويبذُلُ لذلك كل جهده .. فيا بعد ما بينهما .


    إنَّ التبين والتريث والتثبت أمر دلت هذه القصة على أهميته ، ولو كان في قائمة أخلاقهم لما ضُرب جريج ظلماً .. كان الأحرى أن يتبينوا منه قبل أن يقدموا على حماقاتهم هذه . ولقد نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بما فعل حاطب لما تحرك جيش الإسلام لفتح مكة فاستدعاه وقال له :« ما حملك على ما صنعت» وهو رسول الله يُوحى إليه . إنه لا أحد أحبُّ إليه العذر من الله كما قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .


    من اللطائف التي تستفاد : أنّ مما يعين على العبادة أن تتخذ لها مكاناً بعيداً عن الناس ؛ لئلا ينشغل المرء بهم .


    وفيها إثبات الكرامة وأنها كانت في الأمم السابقة .


    وفيها أنّ الكلام في الصلاة لم يكن محرماً عندهم لقول جريج في صلاته : اللهم أمي وصلاتي . ولم يكن حراماً في ديننا في بداية الأمر حتى نزلت الآية :} وقوموا لله قانتين{ .


    وفي القصة معنى قوله تعالى عن المنافقين :} وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء{ ، أُخذت من تذاكرهم لعبادة جريج .


    وفيها الاستعانة بالصلاة كما قال رب العالمين :} وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ{ ؛ فإن جريجاً لما جيء له بالغلام طلب أن يصلي قبل أن يسأله .


    وفيها معنى :} ويمكرون ويمكر الله {


    وفيها أنّ التمسح والتبرك بالصالحين فعل من لا يقتدى بفعله ، فالذين أخذوا في ضربه هم من فعل ذلك ، ألا وإن التبرك بالصالحين ذريعة إلى الشرك وبدعة في الإسلام ، وليس من أحد يتبرك به إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .


    وفيها أنّ الضمان يُؤخذ ولا حرج في ذلك ؛ فقد أمرهم أن يعيدوا صومعته كما كانت .


    وفيها حسن خلقه إذ لم يرض منهم أن يشيدوها من الذهب .


    وفيها : سوء عاقبة الغضب ؛ فبالغضب دعت أم جريج عليه ، ولذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه .


    وفيها أنّ الزِّنا قبيح محرم في جميع الشرائع السابقة .

    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم

  16. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ Hamza42 على المشاركة المفيدة:


  17. #19
    Hamza42 غير متواجد حالياً
    :: Super User ::

    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    الدولة
    تيبازة
    المشاركات
    2,597
    معدل تقييم المستوى
    101
    شكراً
    8,638
    تم شكره
    8,139

    افتراضي 19- قصة عن ليلة القدر

    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم

    قصة عن ليلة القدر



    بسم الله الرحمن الرحيم





    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..


    المستمعون الأكارم .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير .


    هذا هو اللقاء العشرون .. نلتقي بعبادةَ بنِ الصامت ليحدثنا عن أمر وقصة أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ، قال عليه الصلاة :«إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ –وهذه هي القصة : تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ- قال: وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ ، الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ» .


    أخرجه البخاري رحمه الله . وهو عند غيره ، ولكنَّ الحديثَ إذا كان في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت بالعزو إليهما .


    هذه القصة اشتملت على غريب وفوائد ..


    أما الغريب والكلمات التي تحتاج إلى شرح فهي كلمة واحدة (تلاحى) ، ومعناها : تخاصم .


    والرجلان : قال في الفتح :" قِيلَ هُمَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي حَدْرَد ، وَكَعْب بْن مَالِكٍ . ذَكَرَهُ اِبْن دِحْيَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُسْتَنَدًا".


    وأما ليلة القدر فسميت بذلك لأمور :


    1/ أن الأمور تُقدر فيها . قال تعالى : }فيها يُفرق ...{


    2/ أنها ذات قدْر وشرف . ومن عبد الله فيها كان ذا قدر .


    3/ لأن الأرض تضيق بالملائكة ، قال تعالى :} فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ { يعني : لن نضيِّقَ عليه .


    4/ ولأن من لم يكن ذا قدر صار بقيامها والعبادة فيها ذا قدر.


    5/ ولأنه نزل فيها كتاب ذو قدر ، على أمة ذاتِ قدر ، بواسطة ملَك ذي قدر .


    بقي أن أقف مع فوائد هذه القصة ، فالقصة هذه مع قصرها :« تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ» فقد حوت الكثيرَ من الفوائدِ . أذكر منها إحدى عشرة فائدة:


    الأولى :


    حرص النبي صلى الله عليه وسلم على ما ينفعنا ، فقد خرج ولاهمّ له إلا أن يطلع الناس على موعد ليلة القدر . فهو من قال الله تعالى عنه :} لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ{ .


    ولقد قال صلى الله عليه وسلم :«إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا ، فَجَعَلَتْ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ ، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ» [أخرجه الشيخان] . فجزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته .


    الثانية :


    أنّ النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لا يعلمون الغيب . ومن المقرر في عقائد المسلمين أن الأنبياء لا يعلمون من الغيب إلا القدر الذي أذن الله فيه ، قال تعالى :} عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا{ . وقال عن سيدنا ونبينا صلى الله عليه وسلم :} وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ{ . وهل أدلُّ على ذلك من قصة الإفك التي ترك فيها زوجَه عائشة رضي الله عنها في الفلاة لوحدها ؟


    الثالثة :


    أنّ الخصومة بين الناس فسادٌ وشر . ومن شؤمها أنّ الله تعالى لم يطلعنا على زمن هذه الليلة بسببها . قال الإمام البخاري في تبويب هذا الحديث :" بَابُ رَفْعِ مَعْرِفَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِتَلَاحِي النَّاسِ". وقد بينت النصوص الصحيحة أنّ لها آثاراً سيئة على الفرد والجماعة ..


    فمن شؤمها أنّ أصحابها محجوبون عن المغفرة التي تكون ليلة النصف من شعبان . فلقد ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال :«إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ على جميع خلقه ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» .


    ومما يجلي ذلك كذلك هذا الحديث ، قال صلى الله عليه وسلم :« تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا ، إِلَّا امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ ، فَيُقَالُ : اترْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ، اترْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» [أخرجه مسلم] .


    ومن هذه الآثار السيئة أنّها تذهب بدين الإنسان ، قال نبينا صلى الله عليه وسلم :« فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ ، لا أقول تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين» .


    فعلى المسلم أن يبادر بالعفو عن إخوانه طلباً لمرضاة ربه ، أما يكفيك قول الله تعالى للصديق الأكبر .. لسيد الأولياء أبي بكر الصديق رضي الله عنه :} وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{


    ما انتهى أبو بكر رضي الله عنه من سماعها إلا قال :" بَلَى ، وَاللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي" . فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ : "وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا" [أخرجاه في الصحيحين] .


    الرابعة :


    لا يُعلم وقتُ ليلة القدر تحديداً كما دل عليه هذا الحديث ، ولكن دلت السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنها في العشر الأخيرة من رمضان ، ففي صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي» . وفي الصحيحين قال :«الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» . فينبغي أن يلتمسها المسلم في العشر كلها . لأن قوله صلى الله عليه وسلم :« الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ» محتمل لأمرين . قال ابن حجر رحمه الله :" يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالتَّاسِعَةِ تَاسِع لَيْلَة مِنْ الْعَشْر الْأَخِير ، فَتَكُونَ لَيْلَةَ تِسْع وَعِشْرِينَ ، وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِهَا تَاسِع لَيْلَةٍ تَبْقَى مِنْ الشَّهْر فَتَكُون لَيْلَة إِحْدَى أَوْ اِثْنَيْنِ بِحَسَبِ تَمَام الشَّهْر وَنُقْصَانِهِ... وفي المسند فِي :«تَاسِعَةٍ تَبْقَى » ". ولذا ينبغي الاجتهاد في العشر كلها.


    الخامسة :


    لا يمكن أن يقدر الله شراً محضاً ، ففي هذه القصة قال النبي صلى الله عليه وسلم :« فَرُفِعَتْ ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ» ، وهذا معنى قول نبينا صلى الله عليه وسلم :«والشر ليس إليك» .


    السادسة :


    أنّ في رفع ليلة القدر خيراً . ولعل الحكمة في رفع ليلة القدر – أقصد رفعَ تعيينها- أن يجتهد الإنسان في العشر كلها فيكونَ ذلك خيراً له . كما أخفى على الإنسان وقت موته لشغل كل وقته بطاعة الله . قال ابن حجر رحمه الله في الفتح :" فَعَسَى أَنْ يَكُون خَيْرًا " فَإِنَّ وَجْهَ الْخَيْرِيَّةِ مِنْ جِهَة أَنَّ خَفَاءَهَا يَسْتَدْعِي قِيَام كُلّ الشَّهْر أَوْ الْعَشْرِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَقِيَتْ مَعْرِفَةُ تَعْيِينِهَا".


    السابعة :


    أنّ من علم بليلة القدر فالسنة أن لا يخبرَ بها ، لئلا يتكاسل الناس بقية الشهر ، ولأن علمه لا يعدو أن يكون ظناً . وقد أشار في الفتح لهذه الفائدة .


    الثامنة :


    تقدير الأمور بأسبابها ، قال :«تلاحى فرفعت» .


    التاسعة :


    تسلية من فاته خيرٌ يرجوه . لقول النبي صلى الله عليه وسلم :« وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ» .


    العاشرة :


    أهمية تحري ليلة القدر .


    وهذا التحري لتلك الليلة لما للعبادة من أجر عظيم فيها ، قال تعالى :} ليلة القدر خير من ألف شهر{ . أي : العبادة فيها خير من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر . وقد ثبت في الصحيحين قول نبينا صلى الله عليه وسلم :«من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه» . ومن حكم الاعتكاف في العشر : أنه يعين على تحري ليلةِ القدر .


    واعلم أيها المستمع الكريم – وفقك الله- أنّ هذه الليلة لها علامات ثابتة في السنة النبوية ..


    منها : ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :«تَطْلُعُ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا» . وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر : « ليلةٌ سَمْحَةٌ طَلِقَةٌ ، لا حارةٌ ولا باردةٌ ، تُصبحُ الشمسُ صبيحتها ضعيفةً حمراءَ» [أخرجه ابن خزيمة والبزار] .


    فهي ليلة يضاعف ثواب العمل فيها ، وليست نوراً يأتي للإنسان كما تتوهمه بعض النساء .


    الفائدة الأخيرة :


    أن من عقيدة أهل السنة – وهنا أشير إلى أني لا أقصد بأهل السنة جماعةً .. فأعوذ بالله أن أدعو إلى جماعة أو حزب أو طائفة أو جمعية، وإنما أُريد بهم من أخذ بالسنة وتمسك بها كما عرفهم ابن تيمية رحمه الله – أقول من عقيدتهم عدم عصمة الصحابة ، وسوف لن أجد هنا كلاماً أنقله أفضل من كلام الإمام ابن تيمية رحمه الله :" وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مَعْصُومٌ عَنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَصَغَائِرِهِ ؛ بَلْ تَجُوزُ عَلَيْهِمْ الذُّنُوبُ فِي الْجُمْلَةِ ، وَلَهُمْ مِنْ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ إنْ صَدَرَ ، حَتَّى إنَّهُ يُغْفَرُ لَهُمْ مِنْ السَّيِّئَاتِ مَا لَا يُغْفَرُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ ؛ لِأَنَّ لَهُمْ مِنْ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تَمْحُو السَّيِّئَاتِ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَقَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " إنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ " " وَإِنَّ الْمُدَّ مِنْ أَحَدِهِمْ إذَا تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ " ، ثُمَّ إذَا كَانَ قَدْ صَدَرَ مِنْ أَحَدِهِمْ ذَنْبٌ فَيَكُونُ قَدْ تَابَ مِنْهُ ، أَوْ أَتَى بِحَسَنَاتِ تَمْحُوهُ ، أَوْ غُفِرَ لَهُ بِفَضْلِ سَابِقَتِهِ ، أَوْ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم الَّذِي هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ ، أَوْ اُبْتُلِيَ بِبَلَاءِ فِي الدُّنْيَا كَفَّرَ بِهِ عَنْهُ . فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الذُّنُوبِ الْمُحَقَّقَةِ فَكَيْفَ بِالْأُمُورِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا مُجْتَهِدِينَ : إنْ أَصَابُوا فَلَهُمْ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَهُمْ أَجْرٌ وَاحِدٌ وَالْخَطَأُ مَغْفُورٌ لَهُمْ ؟ ثُمَّ الْقَدْرُ الَّذِي يُنْكَرُ مِنْ فِعْلِ بَعْضِهِمْ قَلِيلٌ نَزْرٌ مَغْمُورٌ فِي جَنْبِ فَضَائِلِ الْقَوْمِ وَمَحَاسِنِهِمْ مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ وَالْهِجْرَةِ وَالنُّصْرَةِ وَالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَمَنْ نَظَرَ فِي سِيرَةِ الْقَوْمِ بِعِلْمِ وَبَصِيرَةٍ وَمَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ الْفَضَائِلِ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُمْ خَيْرُ الْخَلْقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ لَا كَانَ وَلَا يَكُونُ مِثْلُهُمْ ، وَأَنَّهُمْ هُمْ الصَّفْوَةُ مِنْ قُرُونِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى".

    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم

  18. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ Hamza42 على المشاركة المفيدة:


  19. #20
    Hamza42 غير متواجد حالياً
    :: Super User ::

    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    الدولة
    تيبازة
    المشاركات
    2,597
    معدل تقييم المستوى
    101
    شكراً
    8,638
    تم شكره
    8,139

    افتراضي 20- قصة كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ ، فَجَزِعَ ، فَأَخَذَ...

    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم


    قصة كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ ، فَجَزِعَ ، فَأَخَذَ سِكِّينًا ، فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» .





    بسم الله الرحمن الرحيم


    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..


    المستمعون الأكارم .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعدَ الله أوقاتكم بكل خير .


    هذا هو اللقاء السادس والعشرون ، قصةٌ رواها من الصحابة جُنْدَبُ بنُ عبد الله رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ ، فَجَزِعَ ، فَأَخَذَ سِكِّينًا ، فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» .


    هذه القصة أخرجها الشيخان في الصحيحين .


    وما مضى لفظ الإمام البخاري . لفظ مسلم :« إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ ، فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَنَكَأَهَا ، فَلَمْ يَرْقَأْ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ ، قَالَ رَبُّكُمْ : قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ » .


    وأقف معها ستَّ وقفات :


    الوقفة الأولى في شرح الغريب .


    الْقَرْحَة بِفَتْحِ الْقَاف وَإِسْكَان الرَّاء وَهِيَ وَاحِدَة الْقُرُوح ، وَهِيَ حَبَّاتٌ تَخْرُجُ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ . أو هي الجرح إذا دبَّ إليه الفساد . وبهذا يُجمع بين الروايتين ، فكان به جرح ثم آل إلى قَرحة .


    وَالْكِنَانَةُ بِكَسْرِ الْكَاف هِيَ : جَعْبَة النُّشَّاب –هكذا بفتح الجيم- ، سُمِّيَتْ كِنَانَة ؛ لِأَنَّهَا تَكِنُّ السِّهَام ، أَيْ : تَسْتُرهَا .


    ونكأها : فتحها وخرقها .


    «حزّ بها يده» : قطعها . جزع : لم يصبر . «فما رقأ الدم» : لم يتوقف تدفقه .


    الوقفة الثانية :


    من أهم الفوائد التي أرشدت إليها هذه القصة : أنّ الانتحار من كبائر الذنوب . نهى الله عنه بقوله :} ولا تقتلوا أنفسكم{ . وتوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل نفسه في أحاديثَ كثيرةٍ .. ففي مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم :«مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي النَّارِ» ، وفي رواية :« َمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وفي أخرى :« مَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ ذُبِحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وفي صحيح البخاري :« الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ».


    وثبت في الصحيحين قولُ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم :« مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» .


    واسمع هذه الحادثةَ –أخي الكريم- لتعلم خطورة الإقدام على هذه الحماقة ، حماقةَ الانتحار .


    ثبت في الصحيح عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا ، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ ، فَقَالُوا : مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» . فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : أَنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا . قَالَ : فَخَرَجَ مَعَهُ ، كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ ، قَالَ : فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا ، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ . فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ e فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ . قَالَ :«وَمَا ذَاكَ» ؟ قَالَ : الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ ، فَقُلْتُ : أَنَا لَكُمْ بِهِ . فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ :«إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» .


    وثبت أنّ رجلاً قتل نفسه فلم يصلِّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم .


    الوقفة الثالثة :


    الذي حمل هذا الرجل على أن يقدم على هذه الحماقة : الجزع . ولذا فالصَّبر خير عزاء لأهل البلاء ، وأيم الله أيها المستمعون ، لا يبرح الصبر قائمة أخلاقنا إلا ساء عيشنا ، وتغصت حياتنا ، والعكس بالعكس ، ولذا من درر علي رضي الله عنه :" وجدنا خير عيشنا بالصبر".


    الصبر كاسمه ، مرٌّ مذاقته ، لكن عواقبه ، أحلى من العسل .


    ومما يحمل على الصبر : أن يُعلم : أنّ الانتحار لن يزيل البلاء ، وإنما سيزج بأهله في النار ، وهذا بلاء ما بعده بلاء .


    الذي تتراكم عليه الهموم فيصبر سيكفرُ الله عنه سيئاته ، ويدخلُه مدخلاً كريماً .


    والذي يُصاب بالمصائب فيقتل نفسه انتقل من عذاب الدنيا إلى عذاب جهنم .. ما أجملَ عاقبة الصبر . وما أقبحَ هذه الجريرة التي تجر بأصحابها إلى نار جهنم .


    الوقفة الرابعة :


    في القصة أنّ هذا الرجل استعجل الراحة فعوقب بأن حرم الله عليه الجنة ، فلم يحظ بمراده . ففيه دليل على القاعدة المعروفة : من استعجل الشيءَ قبل أوانه عوقب بحرمانه .


    الوقفة الخامسة :


    ليس أحاديث تحريم قتل الإنسان لنفسه دليلاً على مذهب الخوارج الذين يكفرون بارتكاب الكبائر . فعقيدتنا أنّ كل ذنب سوى الشرك بالله لا يُخلد صاحبه في النار . وإنما هو تحت المشيئة ، إن شاء الله عفا عنه وإن شاء عذب أصحابه ، ولكنهم لا يُخلدون في النار ، فلا يخلد في النار إلا الشرك بالله .


    فإن قيل : كيف نوفق بين هذا وبين قول الله تعالى : حرمت عليه الجنة .


    الجواب بواحد من الوجوه التالية :


    1.أنّ هذا الرجل كان مستحلاً ، ومستحل الحرام كافر مخلد في النار .


    2.أو يقال : حرمها عليه حين يدخلها الأبرار ، ثم يكون يدخلها بعد ذلك .


    3. وَيُحْتَمَل أَنَّ شَرْع أَهْل ذَلِكَ الْعَصْر تَكْفِير أَصْحَاب الْكَبَائِر


    4.أو أنّ هذا الرجل كان كافراً في الأصل وعوقب بذلك زيادةً على كفره .


    5.أو أنّ المراد جنةٌ معينة ، كالفردوس مثلاً .


    وقيل غير ذلك . وعلى أية حال فلا يمكن أن يتمسك التكفيريون بمثل هذه النصوص . وسأورد قصةً هي قاصمة الظهر لهم ..


    عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ :يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ ، وَمَنْعَةٍ؟ قَالَ : حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلَّذِي ذَخَرَ اللَّهُ لِلْأَنْصَارِ ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ ، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ ، فَمَرِضَ ، فَجَزِعَ ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ : مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ ؟ فَقَالَ : غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم . فَقَالَ : مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ ؟ قَالَ : قِيلَ لِي : لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ . فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :«اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ» [خرجها مسلم في صحيحه] .


    فأين يفرون من هذه القصة ؟


    الوقفة السادسة:


    وأختم بها إن شاء الله :


    ليس في الحديث دليلٌ للمعتزلة . ماذا يقول المعتزلة ؟ يقولون : المقتول مقطوع عليه أجله . ولولا قتل القاتل لنفسه أو لغيره لعاش المقتول .


    وهذا سفه قلّ مثله . ومن عجب أنهم استدلوا بهذا الحديث .«بادرني عبدي بنفسه» . فقالوا : كان أجله إلى أبعد من ذلك فبادر به .


    والرد عليهم من وجوه كثرة أجتزئ منها وجهين :


    الأول : المراد بالمبادرة مباشرة الأسباب المحرمة . قال ابن حجر رحمه الله :" هي مُبَادَرَة مِنْ حَيْثُ التَّسَبُّب فِي ذَلِكَ وَالْقَصْد لَهُ وَالِاخْتِيَار ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَة لِوُجُودِ صُورَتهَا". أي : وليس المراد أنّ له أجلاً غير هذا لم يبلغه . فالقاتل يعاقب لأنه باشر الأسباب المحرمة .


    الثاني : كيف يكتب الله أجلاً للإنسان ولا يبلغه؟ أجل الله لا يتقدمه أحد ولا يستأخر عنه . قال تعالى :} وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ{ .

    سلسلة : قصص رواها الرسول صلى الله عليه و سلم


  20. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ Hamza42 على المشاركة المفيدة:


صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 07-05-2017, 12:58
  2. مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 04-07-2013, 23:10
  3. قصص طريفه لرسول الله صلى الله عليه وسلم
    بواسطة abdjamel في المنتدى القسم الاسلامي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 02-03-2013, 23:15
  4. دعوة: عظمة أفضل خلق الله قصة معبرة ( محمد صلى الله عليه وسلم )
    بواسطة FaYsSaL_GsM في المنتدى القسم الاسلامي
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 01-30-2013, 15:53
  5. مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 09-21-2012, 11:43

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
الأرشيف | الاتصال بنا | Privacy-Policy